السيد محمد سعيد الحكيم
31
من وحى الطف (دلالات وتوجيهات)
الكاسرة والنفوس المغرقة في الجريمة والرذيلة . ولم يمنعه شيء من ذلك عن التصميم والتخطيط والإصرار والاستمرار حتى النهاية التي حصلت بعد ما يقرب من ستة أشهر . كل ذلك لفنائه في ذات الله تعالى ، ولأن هدفه الأسمى رضاه جل شأنه . كما أفصح عن ذلك في خطبته الجليلة حينما أراد الخروج من مكّة ، حيث قال فيها : « خطّ الموتُ على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة . وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف . وخير لي مصرع أنا لاقيه . كأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا ، فيملأن مني أكراشاً جوفاً وأجربة سبغاً . لا محيص من يوم خطّ بالقلم . رضا الله رضانا أهل البيت . نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين . . . » « 1 » . والملفت للنظر - مع كل ذلك - أنه ( صلوات الله عليه ) استطاع أن يختار لنهضته الشريفة من أهل بيته وأنصاره من لا يتراجع عنها بعد أن اقتنع بها ، وكان بوسعهم التراجع في أي وقت أرادوا . لكنهم آمنوا بقيادته ، واستسلموا له حتى النفس الأخير مع قوة البصيرة ومزيد من السرور والشعور بالفوز والسعادة . بل آمنوا بمشروعه كما آمن هو ( ع ) ولذا تشبثوا به ولم يتركوه حتى بعد أن أذن لهم بالانصراف وجعلهم في حلّ من بيعته .
--> ( 1 ) كشف الغمة ج : 2 ص : 239 .